تجربتي في حي الزبالين

يوم السبت ١٧ مارس ٢٠١٨ طلعت رحلة مع نادي روتاري الشروق نادي من نوادي روتاري مصر للأعمال المجتمعية عشان نشوف حي الزبالين و دير الأنبا سمعان الخراز في المقطم. أنا أسمي شهد و في منتصف العشرينات، طول عمري عندي شغف بالعمل التطوعي و العمل الميداني، بس أيام المدرسة و الجامعة الموضوع كان بيخلص عند التبرع بفلوس. الغريب في الموضوع أني أول مرة أنزل و أشوف الواقع دا بعيني المجردة مش من حكاوي الناس اللي شافوا. أنا روحت بنفسي! حي الزبالين مش بعيد عن أحياء في غاية الشياكة في مصر، بس حي الزبالين عبارة عن مجموعة حواري أتنقلوا من على النيل للمقطم في ظروف صحية و إقتصادية و إجتماعية صعبة جداً لأن في نفس البيوت اللي بتحتوي على أسرة بأطفالها بأعمارهم المختلفة، هتلاقي مدخل العمارة مليان زبالة بيتم فرزها عشان بيبدأوا إعادة تدويرها. زمان كمان كان في المخلفات العضوية (اللي هي أكل) و كان بيتغذى عليها الخنازير. بس بعد ما أعدموا الخنازير من كام سنة بطلوا يجمعوا المخلفات العضوية في حي الزبالين عشان ملهاش حل في أيدهم و أقتصرت صناعات حي الزبالين للبلاستيك و الورق و الزجاج و الكارتون و المعادن. حسب مقال نشر في الجريدة الإلكترونية للمصري اليوم أن في عام ٢٠٠٤ اليونسكو نجحت في إنشاء "مدرسة لإعادة تدوير الزبالة في حي الزبالين"، لتحسين ظروفهم المعيشية و توفير التعليم الأساسي للأطفال و أساسيات السلامة الصحية و التدريب العملي لجمع و تدوير الزبالة. بس عشان أكون بوصل الحقيقة كاملة، الأطفال اللي شوفناهم بعيدين كل البعد عن أنهم أتعلموا أسس السلامة الصحية أو أنهم أتدربوا بشكل علمي. لأن ببساطة الأطفال دي عايشة في بيوت واحدة مع الزبالة و في حارات عدد سكانها من الذباب أكثر من عدد سكانها من البني أدميين. الأطفال و البالغين متعايشين تماماً مع الزبالة و الذباب. أنا مش ببالغ لما أقول إن الزبالة أكثر من الناس و متعايشين في بيت صغير واحد، و مع الزباله و الذباب الناس بتبيع عيش و بتنجد العفش و بتبيع فاكهه و بتبيع عصائر طبيعية. أنا متأكدة أن الناس هناك فقدت حاسة الشم، لأن الرائحة هناك متتوصفش، تخيل كوم زبالة على أول الشارع بتاع بيتكم بيعمل ريحة عامله أزاي و تخيل بقا لو في أطنان من الزبالة اللي فيها بامبرز أبنك و زجاجات المياه و العصير و الزيت و لي الشيشة اللي بيتغير بعد كل شخص و بواقي الأكل و غيرة من الحاجات اللي بنستخدمها و نرميها في غفلة من الزمن و مبنفكرش في مستقبلها أيه. بس الواحد ميقدرش ينكر أن الناس دي حولت الزبالة لمشروع بأنهم بيعيدوا تدوير أطنان من الزبالة يومياً لمحتويات بلاستيكية تستخدم في أي حاجة غير الأكل و الشرب و الدوا على حد قولهم. يعني عملوا من الفسيخ شربات في حدود إمكانيتهم. الصناعة دي أختاروها سكان حي الزبالين من عشرات السنين و توارثوها و تم تطويرها، تحولت لصناعة كاملة متكاملة من أول تسييح البلاستك و لحد صناعة منتج جديد منه. و هو دا مصدر الدخل لهم. كل عربيات الزبالة اللي بنشوفها في شوارع مصر (من أول العربية اللي بحمار و لحد العربية الي بتفرم الزبالة أول ب أول) بيروحوا حي الزبالين عشان تبدأ عملية الفرز في البيوت و يكون في كومه للورق و كومه للبلاستيك و كومه للمعادن و كومه للزجاج و دي تخصصات بمعنى أن في بيوت شغلها بس ورق أو شغلها بس بلاستيك و هكذا. و بعد الفرز في مصنع إعادة تدوير متكامل هناك، بيبدأوا ب تسييح البلاستك مثلاً و فرمه عشان يحول لي الشيشة البلاستك ل جردل مثلاً. في وسط كل دا هناك في دير الأنبا سمعان الخراز (من خلال بحث سريع بجانب الحكاوي اللي بتتحكي للزوار) اللي عاش في القرن العاشر أيام حكم المعز لدين الله الفاطمي. هو قديس من الكنيسة الأرثوذكسية و حسب هذا المعتقد هو صاحب معجزة نقل جبل المقطم و بعدها هرب من إعجاب الناس. كان بيشتغل في الدباغه و صناعة الأحذية. كان رجل متدين جداً، و في يوم كان بيصلح حذاء لسيدة و شاف ساقها ف إشتهاها ف قام بخلع عينه بالمخراز. لأنه أتبع نص وصية من وصايا عيسى بن مريم: "إن كانت عينك اليُمنى تعثرك، فإقلعها، وإلقها عنك.. لأنه خيرٌ لك أن يهلك أحد أعضائك، ولا يُلقى جسدك كله في جهنم" - (متى 28:5 - 29) و لما وصل الخبر للكنيسة قرر الكهنه مسامحته، لأنه نفذ وصية عيسى بالحرف و بدون فهم أنها وصية رمزية. أكتشف قبره ما بين ١٩٨٩ و ١٩٩١. دير الأنبا سمعان محفور في جبل المقطم كأنه كهف، يحتوي على ٦ كنائس منهم أكبر كنيسة في مصر و تقدر تحتوي ٢٠ ألف شخص. يحتوي الدير علي ٧٦ صوره محفوره في الجبل و اللي حفرها شاب أجنبي أعتكف في هذا الدير. و بعد ما لفينا على الكنائس و شوفنا المكان طلعنا نقعد مع أبونا، رجل متمسك جداً بحي الزبالين بسبب تعبهم في بناءه و تطويره. حسب كلامه المكان دا كان صحراء من غير ولا مظهر أادمي واحد. نقل له الزبالين من إمبابه في عصر جمال عبد الناصر بسبب أم كلثوم و أنها مش راضيه أن الناحية الثانية من النيل قدام بيتها يكون فيها زبالين. فتم نقلهم و بدأوا يبنوا بيوت و يشتغلوا في إعادة تصنيع الزباله و دلوقتي كل أسرة عندها بيت من أكثر من دور عشان تكون الزباله في دور و الحياة في دور تاني. و دا تطور رهيب في المكان على حد قولهم. تخيل كدا أنك روحت مكان عبارة عن صحراء من غير كهرباء ولا مياه ولا صرف صحي، و أنت بدأت واحده واحده تطور فيه و يبدأ يوصل مظاهر المدن من كهرباء و مياه و صرف صحي. بعدين تبدأ تبني بيوت و تعالى في الأدوار و اللي ربنا كرمه بيساهم في مشروع إعادة التدوير اللي هو مشروع قومي. حلم من أحلام الناس اللي عايشين هناك هي فصل الشغل عن المعيشه. بمعنى أن يكون في مكان للزبالة  و فرزها و إعادة تدويرها عن الحي اللي بيعيشوا فيه و يكون فيه بس بيوتهم. أظن دي أبسط الحقوق! لأن الناس دي صرفت فلوس و مجهود كبير عشان يعيشوا بس تحت سقف بيت مقفول عليهم و يكون واصل له الكهربا و المياه. رأيي مفيش عيب في الشغل، على الأقل الناس هناك خلقت شغل من زبالتنا الي فيها أسرارنا كلنا و قرروا يشتغلوا و يبتكروا في إعادة التدوير. مستسلموش و قعدوا على القهاوي ولا أكتئبوا من الظروف الصعبة و نقلهم من مكانهم الأصلي في إمبابه. بالعكس دول رمز للكفاح و المثابرة. هختم المقال ب كلمة عزيزة أوي على قلبي و لقيتها في مدخل الدير "سلام لكم"!

©2018 by Shahd H. Rashed's Tea Party. Proudly created with Wix.com